مجمع البحوث الاسلامية

902

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

فأمّا إدغام التّاء في الضّاد من قوله تعالى : وَالْعادِياتِ ضَبْحاً العاديات : 1 ، فإنّ التّاء أقرب إلى الذّال وإلى الزّاي منهما في الضّاد ، لأنّ الذّالّ والزّاي والصّاد من حروف طرف اللّسان ، وأصول الثّنايا وطرفها ، والضّاد أبعد منهنّ ، لأنّها من وسط اللّسان ، وكذلك حسن إدغام التّاء فيها لأنّ الصّاد تغشّي الصّوت بها ، واتّسع واستطال حتّى اتّصل صرتها بأصول الثّنايا وطرف اللّسان ، فأدغم التّاء فيها . وسائر حروف طرف اللّسان وأصول الثّنايا إلّا حروف الصّفير فإنّها لم تدغم في الضّاد ولم تدغم الضّاد في شيء من هذه الحروف ، لما فيها من زيادة الصّوت . فأمّا الإدغام في وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً * فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً النّازعات : 3 ، 4 ، فحسن لمقاربة الحروف . فأمّا من قرأ بالإظهار في هذه الحروف فلاختلاف المخارج . . . ( 4 : 436 ) الفخر الرّازيّ : [ ذكر الأقوال في إدغام التّاء بنحو ممّا ذكره الطّوسيّ وأضاف : ] في الآية مسائل : المسألة الثّانية : في هذه الأشياء المذكورة ، المقسم بها يحتمل أن تكون صفات ثلاثة لموصوف واحد ، ويحتمل أن تكون أشياء ثلاثة متابينة . أمّا على التّقدير الأوّل ففيه وجوه : الأوّل : أنّها صفات الملائكة ، وتقديره أنّ الملائكة يقفون صفوفا ، إمّا في السّماوات لأداء العبادات ، كما أخبر اللّه عنهم أنّهم قالوا : وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ . وقيل : إنّهم يصفون أجنحتهم في الهواء ، يقفون متظرين وصول أمر اللّه إليهم . ويحتمل أيضا أن يقال : معنى كونهم صفوفا : أنّ لكلّ واحد منهم مرتبة معيّنة ودرجة معيّنة في الشّرف والفضيلة . أو في الذّات والعلّيّة ، وتلك الدّرجة المرتبة باقية غير متغيّرة ، وذلك يشبه الصّفوف . وأمّا قوله : ( فالزّاجرات زجرا ) فقال اللّيث : يقال زجرت البعير فأنا أزجره زجرا ، إذا حثثته ليمضي ، وزجرت فلانا عن سوء فانزجر ، أي نهيته فانتهى . فعلى هذا الزّجر للبعير كالحثّ ، وللإنسان كالنّهي . إذا عرفت هذا فنقول : في وصف الملائكة بالزّجر وجوه : الأوّل : قال ابن عبّاس : يريد الملائكة الّذين وكلّوا بالسّحاب يزوجرونها ، بمعنى أنّهم يأتون بها من موضع إلى موضع . الثّاني : المراد منه أنّ الملائكة لهم تأثيرات في قلوب بني آدم على سبيل الإلهامات ، فهم يزجرونهم عن المعاصي زجرا . الثّالث : لعلّ الملائكة أيضا يزجرون الشّياطين عن التّعرّض لبني آدم بالشّرّ والإيذاء . وأقول : قد ثبت في العلوم العقليّة أنّ الموجودات على ثلاثة أقسام : مؤثّر لا يقبل الأثر وهو اللّه سبحانه وتعالى وهو أشرف الموجودات ، ومتأثّر لا يؤثّر وهم عالم الأجسام وهو أخس الموجودات ، وموجود يؤثّر في شيء ويتأثّر عن شي آخر وهو عالم الأرواح ؛ وذلك لأنّها تقبل الأثر عن عالم كبرياء اللّه ، ثمّ إنّها تؤثّر في عالم الأجسام . واعلم أنّ الجهة الّتي باعتبارها تقبل الأثر من عالم